صديق الحسيني القنوجي البخاري
500
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً أي وأن تجعلوا للّه شريكا لم ينزل عليكم به حجة وتسووا به في العبادة والمراد التهكم بالمشركين لأن اللّه لا ينزل برهانا بأن يكون غيره شريكا له وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ بحقيقته وأن اللّه قاله ، وهذا مثل ما كانوا ينسبون إلى اللّه سبحانه من التحليلات أو التحريمات التي لم يأذن بها . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 34 إلى 35 ] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 34 ) يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 35 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم المهلكة أَجَلٌ أي وقت معين محدود ينزل فيه عذابهم من اللّه أو يميتهم فيه ، ويجوز أن تحمل الآية على ما هو أعم من الأمرين جميعا . فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ أي إذا جاء أجل كل أمة من الأمم كان ما قدره عليهم واقعا في ذلك الأجل ، قيل المراد بالأجل وقت نزول العذاب ، وقيل أجل الحياة والعمر ، وعلى هذا لكل واحد أجل لا ينفع فيه تقديم ولا تأخير ، والأجل يطلق على كل من مدة العمر بتمامها وعلى الجزء الأخير منها وأجل الشيء مدته ووقته الذي يحل فيه ، وهو مصدر أجل الشيء أجلا من باب تعب وأجل أجولا من باب قعد لغة وأجلته تأجيلا جعلت له أجلا ، والآجال جمع أجل مثل سبب وأسباب . لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً خص الساعة بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات في العرف وقد استدل بالآية الجمهور على أن كل ميت يموت بأجله وإن كان موته بالقتل أو التردي أو نحو ذلك ، والبحث في ذلك طويل جدا . ومثل هذه الآية لقوله تعالى ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ [ الحجر : 5 ] وكان الحسن يقول : ما أحمق هؤلاء القوم يقولون اللهم أطل عمره واللّه يقول فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ الآية . عن ابن المسيب قال : لما طعن عمر قال كعب لو دعا اللّه لأخر في أجله ، فقيل له أليس قد قال اللّه فإذا جاء أجلهم الآية فقال كعب وقد قال اللّه وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [ فاطر : 11 ] . وَلا يَسْتَقْدِمُونَ مستأنف معناه الإخبار بأنهم لا يسبقون أجلهم المضروب لهم بل لا بدّ من استيفائهم إياه كما إنهم لا يتأخرون عنه أقل زمان ، وقال الحوفي وغيره إنه معطوف على لا يَسْتَأْخِرُونَ وهذا لا يجوز وقال الواحدي ؛ المعنى لا يستأخرون عن آجالهم إذا انقضت ولا يستقدمون عليها إذا قاربت الانقضاء . قلت هذا بناء منه على أنه معطوف على لا يَسْتَأْخِرُونَ وهو ظاهر أقوال المفسرين وبالأول قال التفتازاني والكرخي ، وقال أبو السعود : معطوف على الجواب